سيد قطب
3528
في ظلال القرآن
هذه هي قافلة الإيمان . وهذا هو دعاء الإيمان . وإنها لقافلة كريمة . وإنه لدعاء كريم . وحين ينتهي السياق من رسم هذه الصورة الوضيئة ، ورفعها على الأفق في اطار النور . يعود إلى الحادث الذي نزلت فيه السورة ، ليرسم صورة لفريق آخر ممن اشتركوا فيها . فريق المنافقين : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ، وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً ، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ، وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ، وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ، ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ . لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ ، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ . كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ : اكْفُرْ . فَلَمَّا كَفَرَ قالَ : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ . فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها ، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ » . . وهي حكاية لما قاله المنافقون ليهود بني النضير ، ثم لم يفوا به ، وخذلوهم فيه ، حتى أتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب . ولكن في كل جملة قرآنية لفتة تقرر حقيقة ، وتمس قلبا ، وتبعث انفعالا ، وتقر مقوما من مقومات التربية والمعرفة والإيمان العميق . وأول لفتة هي تقرير القرابة بين المنافقين والذين كفروا من أهل الكتاب : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ » . فأهل الكتاب هؤلاء كفروا . والمنافقون إخوانهم ولو أنهم يلبسون رداء الإسلام ! ثم هذا التوكيد الشديد في وعد المنافقين لإخوانهم : « لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً ، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ » . . واللّه الخبير بحقيقتهم يقرر غير ما يقررون ، ويؤكد غير ما يؤكدون : « وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ، وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ، وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ . ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ » . . وكان ما شهد به اللّه . وكذب ما أعلنوه لإخوانهم وقرروه ! ثم يقرر حقيقة قائمة في نفوس المنافقين وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب : « لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ » . فهم يرهبون المؤمنين أشد مما يرهبون اللّه . ولو خافوا اللّه ما خافوا أحدا من عباده . فإنما هو خوف واحد ورهبة واحدة . ولا يجتمع في قلب خوف من اللّه وخوف من شيء سواه . فالعزة للّه جميعا ، وكل قوى الكون خاضعة لأمره ، « ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها » فمم يخاف إذن ذلك الذي يخاف اللّه ؟ ولكن الذين لا يفقهون هذه الحقيقة يخافون عباد اللّه أشد مما يخافون اللّه . . « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ » . . وهكذا يكشف عن حقيقة القوم الواقعة . ويقرر في الوقت ذاته تلك الحقيقة المجردة . ويمضي يقرر حالة قائمة في نفوس المنافقين والذين كفروا من أهل الكتاب ، تنشأ من حقيقتهم السابقة ، ورهبتهم للمؤمنين أشد من رهبتهم للّه . « لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ . بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ . تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ